
كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون بمختبر "كولد سبرينج هاربور" في الولايات المتحدة عن دور غير متوقع للجهاز العصبي في المراحل المبكرة من تطور سرطان البنكرياس، وهو أحد أكثر أنواع السرطان صعوبة في الاكتشاف والعلاج.
وأظهرت نتائج الدراسة، التي نشرتها مجلة Cancer Discovery، أن الإشارات العصبية لا تكتفي بالمساهمة في انتشار السرطان، بل تشارك بفاعلية في تهيئة البيئة المناسبة لنموه حتى قبل تشكل الأورام، ما يفتح آفاقا جديدة أمام تطوير استراتيجيات علاجية مبتكرة.
وأوضح الباحثون أن سرطان البنكرياس لطالما ارتبط بظاهرة تعرف بالغزو حول الأعصاب، حيث تستغل الخلايا السرطانية الألياف العصبية كمسار للانتشار إلى أجزاء أخرى من الجسم، إلا أن الدور المبكر للجهاز العصبي في نشأة المرض ظل غير واضح.
استقطاب الألياف العصبية
وتمكن الباحثون من اكتشاف خلايا ليفية محفزة للأورام تعرف باسم myCAFs تبعث إشارات كيميائية تستقطب الألياف العصبية إلى أنسجة البنكرياس المصابة، لتنشأ شراكة خطيرة بين الخلايا الليفية والأعصاب تسهم في تعزيز تطور المرض.
واعتمدوا على تقنية تصوير ثلاثية الأبعاد متقدمة تعرف بالتصوير المناعي الفلوري الكامل، والتي أتاحت لهم رؤية تفصيلية للبنية المعقدة للآفات والخلايا المحيطة بها.
وأظهرت الصور شبكة كثيفة من الألياف العصبية تتشابك داخل الآفات وحول الخلايا الليفية، في مشهد لم يكن ممكناً ملاحظته باستخدام تقنيات التصوير ثنائية الأبعاد التقليدية، التي لا تظهر سوى نقاط متناثرة تمثل الأعصاب الدقيقة.
وأظهرت التجارب التي أجريت على نماذج حيوانية وخلايا بشرية وجود حلقة تفاعلية مغلقة بين الخلايا الليفية والأعصاب، إذ تبعث الخلايا الليفية إشارات تستدعي أليافا عصبية من الجهاز العصبي الودي المسؤول عن استجابة "الكر أو الفر".
وتفرز هذه الألياف ناقلاً عصبياً يعرف بـ "نورإبينفرين"، يرتبط بالخلايا الليفية ويحدث ارتفاعاً في مستويات الكالسيوم داخلها، ما يؤدي إلى تنشيطها بشكل أكبر، وتعزيز نمو الآفات ما قبل السرطانية، واستقطاب مزيد من الألياف العصبية، في دورة ذاتية التعزيز تسهم في تسريع تطور المرض.
تعطيل المسار العصبي
وبين الباحثون أن تعطيل هذا المسار العصبي يمكن أن يحقق نتائج واعدة؛ إذ أظهرت إحدى التجارب أن استخدام مادة سامة للأعصاب لتعطيل الجهاز العصبي الودي أدى إلى انخفاض واضح في تنشيط الخلايا الليفية، وتراجع نمو الأورام بنسبة قاربت 50%.
وتشير هذه النتائج إلى أن التدخل المبكر لكسر هذا التفاعل بين الأعصاب والخلايا الليفية ربما يمثل مدخلاً علاجياً جديداً.
وأكد الباحثون أن أهمية هذه الاكتشافات تكمن في حدوث هذا التفاعل في مراحل مبكرة جداً من المرض، ما يجعل استهدافه خياراً محتملاً للوقاية أو إبطاء تطور سرطان البنكرياس.
ورجحت الدراسة أن بعض الأدوية المتوفرة سريرياً، مثل "دوكسازوسين"، ربما تكون فعالة عند استخدامها بالتزامن مع العلاجات التقليدية كالعلاج الكيميائي أو المناعي، مشيرين إلى أن الأبحاث المستقبلية ستركز على فهم هذا التواصل الخلوي العصبي بصورة أعمق، بهدف تطوير علاجات تحسن فرص البقاء وجودة الحياة لدى المرضى.









